شاطر
اذهب الى الأسفل
فواز باجوده
المساهمات : 7
نقاط : 22
السٌّمعَة : 1
تاريخ التسجيل : 12/12/2017

الألوان في القرآن رؤية فنية ومدلول

في السبت ديسمبر 16, 2017 9:34 pm
اللون في القرآن الكريم:

ورد لفظ ألوان ومشتقاته في سبع آيات فقط من القرآن الكريم، فقد ذكر لفظ ألوان وهو جمع كلمة (لون) في القرآن الكريم في مواضع سبعة أيضاً ولكن في ست آيات، كإشارة من المولى عز وجل إلى الأطياف اللونية السبعة المعروفة التي يتكون منها الضوء الأبيض، كما جاء ذكر لفظ لون مفردة مرتين في آية واحدة من آيات القرآن الكريم. ولقد وردت تلك الألفاظ في المواضع التالية:

أولاً لفظ لون:

(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) ( البقرة 69)

ثانياً لفظ ألوان:

(وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ)  (النحل 13 )

(ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)  ( النحل 69 )

(وَمِنَ آيَتِهِ خَلقُ السَّمَواتِ والأرْضِ واختِلافُ ألسِنَتِكُم’ وأَلْوَانِكُم’إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ للعالِمِينَ) ( الروم 22)

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ)  ( فاطر 27)

(وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ)  (فاطر 28 )

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأوْلِي الأَلْبَابِ)  ( الزمر 21 )

  والألوان هنا قد تأتي للتعبير عن النوع " الأصناف " و" الأجناس " أو الهيئات " اللون" قال الطبري في تفسيره للفظ ألوان: يعني أنواعاً وأصنافاً مختلفة من بين حنطة وشعير وسمسم وأرز ونحو ذلك من الأنواع المختلفة .[2] أو قد تأتي لتدلل على اختلاف الطعم كما في سورة النحل الآية 69 " ...... يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ"

وقال الزمخشري: ألوانها: أجناسها من الرمان والتفاح والتين والعنب وغيرها مما لا يحصر، أو هيئاتها من الحمرة والصفرة والخضرة ونحوها.[3]

وفيما يلي استعراض للألوان كما وردت في القرآن الكريم.

هل " الأبيض والأسود " لون  

ويرى الباحث أن نظرية اللون تتجلى في قوله تعالى: (وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ) ( فاطر 27 )

فكما هو معلوم أن قيمة اللون هي الإسم الذي نطلقه على الإنارة والإعتام لتدرج التألق اللوني، كما تعني كلمة " القيمة " في الواقع كمية الضوء التي يمكن لأي سطح أن يعكسها .. وكذلك فإن الأبيض يكون النهاية العليا لهذا المدى . أما الأسود فيكون في أسفل المدى ..وتقع جميع التألقات الأخرى اللونية وغير اللونية فيما بينهما . ويطلق اللوين " على الفرق بين الزرقة والحمرة والصفرة ... وهكذا ..[4]

ويذكر " روبرت جيلام سكوت " في كتابه ( أسس التصميم ) أن كل شيء له لوين يكون لونياً، في حين أن الصبغات المحايدة، بما في ذلك الأسود والأبيض، ليست لونية.

ويرى الباحث هنا أن الله عز وجل قد ذكر لفظ  " بيض " وهي الدالة على شدة البياض، كما ذكر لفظ "سود" والتي تدل على شدة السواد دون اقترانهما بلفظ لون أو ألوان على عكس كلمة " حمر" والتي أتت في صيغة الجمع وقد اقترنت بلفظ ألوانها، بل زد على ذلك فقد أتت مقترنة بمختلف ألوانها، كما أن اختلاف الألوان أتى بين  "بيض" ـ   النهاية العليا للمدى ـ و"سود" ـ أسفل المدى ـ  كما ورد سابقاً . مما يؤكد أن هذه الآية يتجلى فيها بوضوح نظرية اللون، وتؤكد على أن الأبيض والأسود ليسا من الألوان.  

الأبيض  

أتى لفظ " الأَبْيَضُ " في موضع واحد من القرآن الكريم في سورة البقرة في قوله تعالى:

"....وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ...... "   ( البقرة 187 )

وتفسير رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلمة الأبيض هنا أي بياض النهار والخيط عبارة عن اللون.[5]

وقد أتى لفظ " بَيْضٌ " في سورة الصافات حيث وصف الله تعالى نساء أهل الجنة بأحسن ألوان النساء وذلك في قوله عز وجل:" كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ "  ( الصافات 49 )                                                

وقد جاء في التفسير أي أبيض في صفرة وهو أحسن ألوان النساء، وفي هذا وصفهن بترافة الأبدان بأحسن الألوان، ومكنون يعني محصون لم تمسه الأيدي [6]. إلا أن الباحث يرى أن المعنى الأقرب هو وصفهن بالرقة والضعف مثل البيض الذي أتى أسمه من وصفه أي لونه الأبيض.

وأتى أيضاً لفظ " بِيضٌ " في سورة فاطر لقوله عز وجل:" ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود "ٌ ( فاطر 27 )

أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضاً من بيض وحمر[7].

أما لفظ " بَيْضَاء " فقد ورد في ستة مواضع، اثنتين منها قال الله تعالى: " بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ "، وذلك في سورة الأعراف، وفي سورة الشعراء ،ووردت كما يلي:

" وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ " (الأعراف 108)

" وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ " ( الشعراء 33 )

وثلاث منها قال الله تعالى فيها " بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ " وذلك في سور النمل، طه، القصص وأتت كالتالي:

" وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ "  ( النمل 12 )

" وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى " ( طه22)

" اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ "  (القصص 32 )

وأتى اللفظ كآية ودليل باهر على قدرة الله تعالى حيث أمر سيدنا " موسى " ـ وكان أسمر شديد السمرة[8] ـ أمره أن يدخل يده في جيبه، فإذا أدخلها وأخرجها خرجت بيضاء ساطعة كأنها قطعة من القمر لها لمعان تتلألأ كالبرق الخاطف من دون ضرر أو سوء ناتج عن أي مرض [9]. كناية عن النقاء.

وفي الموضع السادس وصف الله تعالى في سورة الصافات خمر الجنة بأنها خمر جارية بيضاء أي أن لونها مشرق [10] كما يظهر في هذه الآية صورة جمالية رائعة حيث شبه الله الكأس - لجماله وصفائه-  عندما يحتوي على شراب طاهر فيه لذة للشاربين. حيث قال عز وجل: " بَيْضَاء لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ "  (الصافات 46 ).

وقد ورد لفظ " ابْيَضَّتْ " في موضعين من القرآن الكريم الأول في سورة آل عمران في قوله تعالى: " وأما الذين ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " ( آل عمران 107 )

وتعنى أهل طاعة الله عز وجل والوفاء بعهده [11]، والموضع الثاني في سورة يوسف آية 84 في قوله  تعالى:" وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفي عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ " ( يوسف 84 )

أي انمحق سوادهما وبدل بياضاً من بكائه [12]، ليدلل على أن اللون الأبيض هو مضاد اللون الأسود. ويرتبط البياض هنا في سورة يوسف ـ على عكس باقي الآيات السابقة ـ بأمر مكروه وهو الضعف الشديد للعينين أو العمى نتيجة الحزن الشديد .

وأتى لفظ " تَبْيَضُّ " مرة واحدة في سورة آل عمران آية 106 بما تعني إشارة إلى النقاء والطهارة والصلاح حيث قال تعالى:

" يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ"  ( آل عمران 106 )

 يعني يوم القيامة حين تبيض وجوه أهل السنة والجماعة [13].

 " الأسود "

 ذكر لفظ الأسود ومشتقاته سبع مرات في ست آيات، منها مرتان جاءت لتعبر عن كنه اللون الأسود وقد وردت كما يلي:

" .. وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ......"  ( البقرة 187 )

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ " ( فاطر 27 )

كما جاء ذكر مشتقات لفظ الأسود خمس مرات لتعبر عن وصف المكذبون من الكفار والمنافقين بأن وُجُوهُهُم مُّسْودَةٌ، وهذا تعبيراً معنوياً دلالته أن لفظ الأسود جاء ليعبرعن الحزن الشديد. وعن مدى قتامته وعلى أنه عكس الأبيض. وجاء لفظ غرابيب مع لفظ سود ليوضح شدة درجة السواد، [14] وقد وردت الآيات كما يلي:

" يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ "( آل عمران 106 )

" وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثوىً لِّلْمُتَكَبِّرِينَ " ( الزمر 60 )

" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ "  ( النحل 58 )

" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ " ( الزخرف 17 )

ومما سبق يتضح أن البياض هو قمة الصفاء والنقاء والوضوح، والسواد هو قمة القتامة والإعتام، وهما يتتابعان في آية واحدة للتعبير عن التباين الشديد بين لونين متناقضين أقصى التناقض لإبراز المعنى. ويستعمل الأبيض في الطهر والقبول عند الله، إن المؤمنين سينالون الرحمة وهم فيها خالدون.

اللون الأصفر

جاء ذكر لفظ " صَفْرَاء " مرة واحدة كما جاء ذكر مشتقات اللفظ في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم معبرة جميعها عن اللون الأصفر ودرجاته، فقد ذكر لفظ " صَفْرَاء " مرة واحدة في سورة البقرة، وذلك في وصفه للبقرة بقوله سبحانه وتعالى: " قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ بأنها " ( البقرة 69 )

وقد يتبادر إلى الذهن أن " الفاقع " هو صفة للون الذي يثير العين كما هو دارج بالنسبة للفظ " فاقع " وهو الأمر الذي أثار في الباحث التساؤل حول ما آل إليه علماء علم النفس بأن اللون الأصفر المخلوط بالأبيض يعتبر مريحاً للنظر ومهدئاً للأعصاب ويكسب النفس السرور، ولذلك يستخدم في طلاء غرف المرضى النفسيين، أما اللون الأصفر الساطع أو بالمفهوم الدارج " الأصفر الفاقع " فهو مثير للعين وغير مريح، وهنا يأتي اللبس بين ما نفهمه من القرآن الكريم وبين ما هو مثبت علمياً، وكانت هذه هي نقطة البدء في هذا البحث، وعند البحث في المراجع العربية وعديد من تفاسير القرآن الكريم فقد أجمع جمهور المفسرين في قوله عز وجل: " صَفْرَاء " أي أنها صفراء اللون من الصفرة المعروفة و" فَاقِعٌ لَّوْنُهَا " أي صافية اللون من شدتها. وقد ذكر القرطبي عن ابن عباس " فَاقِعٌ لَّوْنُهَا " أي شديدة الصفرة تكاد من صفرتها تبيض لتسر الناظرين دلالة على جمالها وتألقها وحيويتها وذلك في عبارة موجزة بليغة . وقال علي بن اأبي طالب رضي الله عنه:من لبس نعلي أصفر قل همه، لأن الله تعالى يقول: " ...... بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ "

وقد جاء ذكر لفظ " مصفراً " في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم وأتت جميعها في كأمثلة يضربها الله تعالى للحياة الدنيا حين ينزل الله من السماء ماءً وينبت به ثماراً و زرعاً يانعاً، ثم يجف ويصبح مصفراً، ثم يكون بعد ذلك حطاماً. ففي الموضع الأول في سورة الروم حيث يذكر المولى عز وجل:

" وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ " ( الروم 51 )

وفي ذلك يوضح الله تعالى أن أثر الريح عندما تأتي بدون مطر تخلف اصفراراً في الزرع، واصفرار الزرع بعد اخضراره يدل على أن الريح لا يمطر. ويلاحظ أن اللون الأصفر هنا يرتبط بالجدب وقرب الهلاك فهو يأتي هنا معبراً عن كونه نذيراً لفقدان الحياة والحيوية والعدم والحطام .

 وفي الموضعين الآخرين في سورتي الزمر والحديد يضرب الله مثلاًً أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء، بما تحتويه من مباهج ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً هرماً كبيراً ضعيفاً، كذلك فالزرع بعد خضرته " يهيج " أي يتيبس. " فتراه " مصفراً، "إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب" أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون. وقد وردت الآيات كما يلي:

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأوْلِي الأَلْبَابِ " ( الزمر 21 )                                        

"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأَوْلأدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الأخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَ مَتَاعُ الْغُرُور "ِ   ( الحديد 20 )

  وأتت كلمة " صُفْرٌ " في موضع واحد فقط  في القرآن الكريم ولكن لتدلل على اللون الأسود المخلوط باللون الأصفر، وذلك في سورة المرسلات، حيث وصف الله تعال الشرر المتطاير من لهب جهنم ـ والعياذ بالله ـ كما ورد في الآية كالتالي:  " كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ " ( المرسلات 33 )

" كأنه جمالت صفر " وجمالة جمع جمل، وفي قراءة جمالة صفر أي في هيئتها وكثرتها وتتابعها وسرعة الحركة واللون،[15] وفي الحديث شرار النار أسود كالقير والعرب تسمي سود الإبل صفراً لشوب سوادها بصفرة. و يتضح من ذلك أن الدلالات اللونية مثل الدلالات اللغوية لها صلة بالثقافة، كما أن لها دلالات نفسية ولها دلالات رمزية أيضاً.

ومما سبق يتضح أيضاً أن اللون الأصفر يرتبط بالجدب وقرب الهلاك والمرض فهو يأتي معبراً عن كونه نذيراً لفقدان الحياة والحيوية والعدم والحطام. وعلى العكس عندما يكون شديد النصوع مشوب باللون الأبيض (فاقع) فإنه يعطي السرور والراحة للنفس.

اللون الأخضر

لقد حظي اللون الأخضر في القرآن الكريم بالاهتمام أكثر من أي لون آخر، فهو يمثل في البيان الإلهي الخير والجمال والسلام، وهو أفضل الألوان كلها وأشرفها ويتضح ذلك عند البحث عن اللون الأخضر في آيات  القرآن الكريم فقد أتت كلمة "الأخضر" مرة واحدة فقط ليدلل بها على الشيء الحي، ففي قوله تعالى:

" الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ " ( يس 80)

فقد نبه تعالى على وحدانيته ودل على كمال قدرته في إحياء الموتى وقدرته على تبديل الحال بما يشاهد من إخراج المحروق اليابس من العود الندي الرطب الحي، ومنه توقدون لتنعموا بالحياة مرة أخرى.

وأتت كلمة " خُضْرٍ " منونة بالكسرة في ثلاث مواضع اثنين منها في سورة يوسف (أية43 وآية 46) لقوله عز وجل:

" وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ " (يوسف 43).

" يوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ" ( يوسف 46).                            

وتدل كلمة " خُضْرٍ " هنا على لون السنبلات وهو ما يعطي الاستقرار في الحياة حال توافرها، وفي ذلك دلالة على أن اللون الأخضر يعنى الحياة بما فيها من معاني للاستقرار والراحة، وفي وصف السنبلات بالخضر يعنى أن اللون الأخضر يحمل أيضاً دلالة الخصوبة .

أما الحالة الثالثة فقد كانت في سورة الرحمن حيث قال عز وجل:

" مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " ( الرحمن 76 )

ويرى الباحث أن في قوله عز وجل " رَفْرَفٍ " خُضْرٍ " وصف للأرائك أو الأراجيح باللون الأخضر لما يحمله من معاني للاستقرار رغم ما في هذه الأرائك والرفارف من حركة قد تبدو فيها عدم استقرار، ولكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا بمدى لذة هذا التأرجح دون الخوف منه أو الشعور بالرهبة كما يحدث أحياناً في الحياة الدنيا من ركوب الأراجيح، واللافت للنظر هنا أن الله عز وجل لم يصف تلك الأراجيح بوصف آخر مثل أنها مريحة، أو متسعة، أو مرتفعة وغيرها من الأوصاف التي يمكن أن تضيف إليها المتعة والراحة، ولكن الله عز وجل قد أوجز وضمن كل هذه المعاني وغيرها في لفظ " خُضْرٍ " وذلك لإعلاء قيمة اللون في حياة البشر، بل الأكثر من ذلك في باقي الآية حيث يذكر الله عز وجل في قوله  "وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ " وذلك لإعلاء قيمة اللون والزخرفة أيضاً حيث أنه في الحديث: أن " عبقري " يقصد بها هذه البسط التي فيها الأصباغ والنقوش (الزخرفة) الحسان، وهى أبسطة أهل الجنة .  

 وفي سورة  الإنسان حيث ذكر المولى عز وجل:" عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا " ( الإنسان 21).

 أتت كلمة " خُضْرٌ " منونة بالضمة، لوصف ما جاء في الجنة من أبسطة وملابس، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: " عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ "  أن الله سبحانه وتعالى وصف في كتابه العزيز أهل جنته المخصوصين بتقريبه ومزيته بلباس الثياب الخضر.

كما أتت كلمة خُضْرًا منونة بالفتحة في سورة الكهف آية 31 في قوله سبحانه: " أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَار يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا"  ( الكهف 31 )

 وفي ذلك فقد وصف الله زينة ملابس أصحاب الجنة الحريرية وصفاً لا مثيل له وكذلك أدواتهم، فلو كان في الألوان أفضل من الخضرة لوصفهم الله سبحانه بذلك، لذا يعد اللون الأخضر لوناً مختار من ألوان الجنة، يدل على النعيم و به أحيا الأرض بعد موتها.

وقد أتت كلمة " خَضِرًا " في موضع واحد فقط في سورة الأنعام بمعنى الزرع. قال تعالى: " وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " ( الأنعام 99 )

قال الأخفش: أي أخضر، والخضر رطب البقول . وقال ابن عباس: يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب .  

كما أتت كلمة " مخضرة " في موضع واحد فقط أيضاً في سورة الحج وأتت في المعنى كدليل على كمال قدرته، بإعادة الحياة بعد الموت.

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ " ( الحج 63 ).

وقد جاء لفظ " مدهامتان " ـ وهو مرادف للون الأخضر الغامق ـ للتعبير عن الجنان العلى فقد قال الطبري عن دلالة هذا اللفظ:" مسوادتان من شدة خضرتهما " في وصف للون الأخضر الغامق حتى السواد [16]

" مدهامتان " ( الرحمن 64 )

أهمية اللون الأخضر

ويقدم العلم الحديث دلالة جديدة للفظ خضراً فقد قرر جمال الدين مهران إلى أن المقصود بهذا اللفظ هو مادة "اليخضور" أو الكلوروفيل  (Chlorophyll)ـ وهو مادة كيميائية معقدة التركيب يرجع إليها الفضل في وجود هذا اللون الأخضر الذي ينتشر في النباتات على اختلاف أنواعها وأشكالها وأحجامها وخصوصاً في أوراقها الخضراء ـ  حيث قال "وهذا الخضر هو الذي منحه الخالق تبارك وتعالى القدرة على تكوين المواد العضوية المعقدة التركيب من مواد غير عضوية، وذلك بما يقوم به "اليخضور" من أخذ طاقة الضوء فيكون منها المواد العضوية التي تحتاج في تكوينها إلى مصانع عديدة وكبيرة ومعقدة، ليس هذا فحسب بل أنه خلال عملية التمثيل الضوئي التي تتم بمجرد تعرض النبات الأخضر للضوء تتم عملية أخرى وهي عملية بالغة الأهمية لاستمرار الحياة وبقاء الأحياء وهي عملية تكوين وانطلاق الأوكسجين الذي لا تستمر الحياة بدونه".[17]

وكان المعتقد في بادئ الأمر أن الكلوروفيل عبارة عن مادة واحدة ولكن وجد بعد تقدم البحوث النباتية وعمل التحليلات الدقيقة أنها تتركب في واقع الأمر من أربع مواد مختلطة بعضها ببعض وتلك هي (كلوروفيل أ) و(كلوروفيل ب) ولونهما أخضر بالإضافة إلى مادتين أخريين وهما (الكاروتين) و (الزانثوفيل) وهما صبغان نباتيان لونهما أصفر.

إن هذا الكلوروفيل المعقد الذي يغلب عليه اللون الأخضر هو أحد المعجزات الحقيقية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في دنيا النبات إذ أنه يلعب في تكوين الأغذية النباتية دوراً يفوق كل خيال فمن خلاله يتم إنتاج المواد الكربوهيدراتية البسيطة أو المعقدة مثل الأنواع المختلفة من السكر ( الجلوكوز، الفواكه، القصب، البنجر) وأيضاً الأنواع المختلفة من النشا (  الموجود في الحبوب عامة أو في بعض الأجزاء النباتية الأخرى مثل درنات البطاطا والبطاطس وغيرها) .

ولا يتم إنتاج مثل هذه المواد الغذائية الهامة إلا في وجود الأشعة الضوئية، ويطلق على تلك العملية اسم عملية التمثيل الضوئي  Photosynthesis .  

ويمكن تلخيص تلك العملية في المعادلة البسيطة التالية:ـ

ثاني أكسيد الكربون + ماء واد كربوهيدراتية مواد كربوهيدراتية + أوكسجين ينتج عنها مركب سكري +أوكسجين

ويعيش الإنسان وكذلك جميع الحيوانات التي تدب على سطح الأرض على تلك المنتجات النباتية التي لا يستطيع أي منها إنتاجها من المواد الخام على الإطلاق كما تفعل النباتات الخضراء، وبذلك يكون الكلوروفيل هو المادة المنتجة لجميع الأغذية النباتية أو الحيوانية على حدٍ سواء .

وبالإضافة إلى تلك المادة الخضراء ( الكلوروفيل ) تحتوي النباتات على مواد أخرى كثيرة لها ألوان متباينة ومنها الصبغ الأزرق والصبغ الأصفر والصبغ الأحمر والصبغ البني وغيرها .

وتشاهد مثل تلك الألوان في كثير من الأجزاء النباتية وخصوصاً الأزهار والثمار، كما يتضح من الآية الكريمة ( فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ) سورة فاطر آية(27).



اللون الأخضر في القرآن يعني الحياة بما فيها من معاني للاستقرار والراحة

ومما سبق يتضح أن اللون الأخضر يعني الحياة بما فيها من معاني للاستقرار والراحة، ويحمل أيضاً دلالة الخصوبة . ذلك فضلاً عما اكتشفه العلماء من أنه عندما تدخل طاقة الضوء إلى الجسم فإنها تنبه الغدة النخامية والجسم الصنوبري مما يؤدي إلى إفراز هرمونات معينة تحدث مجموعة من العمليات الفسيولوجية، وبالتالي السيطرة المباشرة على تفكيرنا ومزاجنا وسلوكياتنا، وكذلك فللألوان تأثير على مكفوفي البصر تماماً كالمبصرين نتيجة لترددات الطاقة التي تتولد داخل أجسامهم، وهذه الفكرة استخدمها الصينيون القدماء في علاج الأمراض وتسمى" بال فينج شوي " .

وحديثاً أجروا تجارب لاستخدام الألوان في علاج بعض الأمراض، وذلك بجعل المريض يرتدي ثوباً من لون معين أو يجلس في غرفة حوائطها وفرشها من نفس هذا اللون، ويقوم بتركيز نظره لفترة محددة عليه في الوقت الذي يحصر فيه ذهنه ويتأمل مكان الألم الذي يعانيه، فكان مما اكتشفوه أن اللون الأخضر بالذات يقتل الجراثيم والبكتريا ويسكن الآلام ويقاوم الإنهاك والشعور بالتعب، فيشعر صاحبه بأريحية وسعادة ويشفي من الأمراض الميكروبية، وبذلك عرفوا السر في استخدام الفراعنة للون الأخضر في مقابرهم لحفظ المومياوات من التحلل البكتيري[18] . وصدق الله العظيم في قرآنه الكريم عندما جعل اللون الأخضر لون لباس أهل الجنة ولون فرشهم ليلفتنا إليه وإلى وجوبية التشبه بهم في ملابسنا وفرشنا في الدنيا لعلنا نذوق جزءاً من سعادتهم .

ذلك فضلاً عن ما يؤديه لون الخضرة من تقوية للنظر والزيادة في حاسة البصر، وسبب ذلك فيما يقوله أهل الطب أن اللون الأخضر يجمع الروح الباصر جمعاً رفيقاً مستلذاً غير عنيف، وإن كان اللون الأسود يجمع الباصر أيضاً لكنه يجمعه بعنف واستكراه على ضد ما يجمعه اللون الأخضر. [19]

اللون الأزرق

في البحث عن اللون الأزرق أتت كلمة "زرقاً" في موضع واحد فقط من القرآن الكريم وأتت بمعنى الحزن والهم، ففي قوله تعالى:

" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا " ( طه 102 )

قيل معناه زرق العيون من شدة ما هم فيه من الأهوال والحزن.[20] وقد ورد في القرآن في هذه الآية دلالة على أن هذه الأجسام لا تبلغ الموت أو الحياة. فالمعروف أن لون الدم هو الأحمر وعندما يتحول إلى الأزرق فهي تعني احتباس الأكسجين الشديد وفساده، وهي أصدق تعبير عن الحشر. وكلمة " زرقاً " تدل على شدة الازرقاق، مع ما يكتنفه من كآبة شديدة وحزن عميق وشعور بالإشراف على الموت، وهو على العكس تماماً من اللون الأزرق الفاتح والذي يعرف في ألوان الطيف باللون الأزرق النيلي، وهو اللون الوحيد الذي يغمر سطح الأرض في البحار والأنهار والمحيطات، ويغلفها وينعكس من الغلاف الجوي على شكل مسطح أزرق عريض لا نهائي يسمى السماء، وهو لون قابل للتأثر سلبي بارد، يمتاز بتخفيف التوتر والعصبية عند الإنسان بعكس اللون الأحمر المثير للأعصاب والباعث للهيجان، واللون الأزرق النيلي في السماء سموٌ وعمق ويرمز إلى المحبة والرومانسية، وفي المياه برودة وارتواء .

اللون الأحمر

 في البحث عن اللون الأحمر أتت كلمة "حمر" في موضع واحد فقط من القرآن الكريم لتدلل على كنه اللون وصفته، وأن اختلاف الألوان يأتي مصدره من اللون الأحمر والأبيض . فقد ذكر المولى عز وجل في كتابه الكريم:

" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ " ( فاطر 27 )

ويرى الباحث أن الله (عز وجل) يوضح لنا في هذه الآية أنه إذا غفلت عيوننا البشرية عن الالتفات إلى مشاهد الجمال ذكرنا القرآن الكريم بها، ومن بين آيات الجمال التى يوقفنا القرآن عندها وأمامها كثيراً جمال الألوان الماثلة في الجبال، وهي المصدر الأصلي الطبيعي لمختلف الألوان التي نستخدمها في الصباغة والتلوين، فقد وصف العليم في هذه الآية الجبال بأنها ذات طرائق وخطوط بيضاء وحمر مختلف ألوانها [21] ـ   والجدد البيضاء والحمراء هو لفظ دارج عند علماء الجيولوجيا ـ وكذلك يوجد بالجبال صخور شديدة السواد، أما بقية الألوان وما أكثرها وما أشد اختلافها وتعددها فيذكرها إيجازاً وتركيزاً في قوله تعالى (مختلف ألوانها)، ولم يذكر الله جل جلاله أي لون آخر غير" الأحمر" برغم وجود ألوان عديدة للجبال وكأن المقصود هنا بمختلف ألوانها هو الأخضر والأصفر والأزرق وغيرها من الألوان، والقرآن الكريم يذكر عبارة " مختلف ألوانها " بعد قوله تعالي " حمر" وكأن في هذا إشارة إلى أن اللون الأحمر هو أصل الألوان، والذي أتى ذكره بعد " بيض " وهو مصدر الألوان.

وقد بينت هذه الآية الكريمة ملمحاً موجزاً وافياً بدقة لأصل تغير الألوان في الطبيعة، فقد أظهرت أن أصل الألوان الطبيعية في منشأها تكون بيضاء ومن ثم تتدرج إلى ضروب من الحمرة إلى السواد . وواقع الأمر إذا أردنا أن نبرهن على الإعجاز الدقيق في هذه الآية لنا أن نتلمس البراهين في مخلوقات الله ( عز وجل ) في مكنون كتابه المفتوح فيما خلق . وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ الدكتور فاروق الفوال·:  

" معلوم الآن أن الطيف الأبيض هو مخزون كل ألوان الطيف، بمعنى أن اللون الأبيض يمكن أن يتحلل إلى بقية الألوان المعروفة المنظورة ـ وليس المقصود بالمقولة السابقة هو التحلل الطيفي من خلال المنشور الزجاجي كما هو مجرب ومعلوم مسبقاً في المعامل الطبيعية ـ لكن القصد هنا عملية أخرى تتم في مكنون خلق الله في الجبال والمعادن، وهي المصدر الأصلي الطبيعي لمختلف الألوان التي نستخدمها في الصباغة والتلوين. فما يحدث في تلك الجبال برهان ساطع ودليل قوي على أن مستودع الألوان ومصدرها جميعاً هو اللون الأبيض.  

لكن الدراسة المتأنية الدقيقة في بطون الجبال بينت أنه بمرور الوقت وفي ظروف مناخية طبيعية ودون تدخل لأي مؤثر خارجي بشري أو إضافة لألوان أو أكاسيد يحدث تغير لوني وبتدرج متناسق ومنتظم من الأبيض إلى درجات باهتة من الحمرة التي لا تلبث أن تتلون بدورها في درجات الاحمرار واحدة تلو الأخرى إلى أن تصل إلى أقصى درجات الحمرة، وبمرور الوقت تأخذ تلك الأحجار الطبيعية في التغير اللوني من الحمرة إلى درجة باهتة من البنفسجي ومن ثم إلى درجات الأزرق، وكلما مر الوقت ازدادت عملية التغير اللوني إلى درجات أغمق من الأزرق أو الأخضر إلى أن يصبح الصخر يميل إلى السواد ".

 والتفسير العلمي لذلك مبنى على أساس الدراسات المعملية التي قامت بتأصيل أسباب هذا التدرج اللوني الحادث طبيعياً، وتفسيره على أساس التفاعلات الكيميائية التي تحدث داخل الصخر بمرور الزمن تحت ظروف طبيعية، فالراوسب المتحجرة أياً كان نوعها وأصلها حين تترسب تكون في المنشأ بيضاء، كالأحجار الجيرية المكونة كلياً من كربونات الكالسيوم (كالسايت) وهي بيضاء اللون . وإن كانت رواسب رملية أو طينية فإنها تكون مكونة كلياً من حبيبات " الكوارتز " المختلفة الأحجام وهي شفافة عديمة اللون، إلا أنه بمرور الزمن وتحت ظروف طبيعية من الرطوبة والحرارة وفي وجود آثار ضئيلة أو نسب صغيرة من عناصر الحديد والمغنسيوم والأسترنشيوم وغيرها، تتحول تلك العناصر نتيجة عمليات طبيعية من التميؤ والتميع فتخرج أكاسيدها ذات الصبغات المحمرة لتبدأ في صبغ تلك الصخور البيضاء بصبغات حمراء وتزداد درجتها إلى الحمرة رويداً رويداً كاسية الصخور البيضاء بدرجات شاحبة من الوردي والأحمر الباهت. وبمرور الوقت تتراكم الحمرة وتتضاعف لتصبح الصخور بالألوان الحمراء البراقة ثم القانية ثم الداكنة، وتتميز رسوبيات الأزمان السحيقة بألوانها الحمراء القاتمة الشديدة التي تبلغ درجات من السواد .[22]

 وكما يحدث لعناصر الحديد يحدث أيضاً للعناصر الأخرى( المنجنيز والنحاس وغيرها ....ألخ) والتي ينتج بتحللها صبغات لونية مختلفة كالأخضر والأزرق وغيرها .. والتي ينجم عن اختلاطها بالصبغات الحمراء في حال توافرها مزيجاً من الألوان البنية والبنفسجية، وسر تكون اللون الأحمر أولاً راجع لسرعة وسهولة أكسدة وتميؤ عنصر الحديد تحت الظروف المناخية الطبيعية عن غيره من باقي العناصر، وتشكل الصبغات الحمراء على الدوام الأرضية الأولى التي تمتزج بها باقي الصبغات الأخرى لتنتج باقي الدرجات اللونية الطبيعية الأخرى. وتتوقف درجة الألوان وسيادتها على وفرة العناصر المسببة لكل تغير لوني في مكان عن الآخر .

هذا وهناك من الصخور التي تكتسب ألوانها من طبيعة تكوينها كما خلقها الله وليس بسبب ما يحدث من تغيرات كيماوية بداخلها كما ذكرنا سابقاً، فهناك الصخور الجرانيتية فهي وردية اللون، وصخور البازلت سوداء داكنة، والديورايت وهي خضراء داكنة، ولا يمكن استخلاص ألوان من تلك الصخور لا بالإذابة ولا بالحرارة أو بغيرها . [23]

وكما ثبت من المشاهدات الحقلية والدراسات المعملية للألوان الطبيعية وكيفية تكوينها الناشئ عن امتزاجها وتداخلها مع الصبغات الحمراء الأولية، بمعنى آخر أن الصبغات اللونية جميعها يدخل في تركيبها الأساسي الصبغات الحمراء الراجع إلى تحلل عنصر الحديد في الطبيعة.

وقد توصل المصريون والصينيون القدماء إلى أن اللون هو عبارة عن طاقة مشعة لها طول موجي معين يختلف في تردده وتذبذبه من لون إلى آخر وتقوم المستقبلات الضوئية في الشبكية باستقبالها وترجمتها إلى ألوان وتحتوي الشبكية على ثلاثة ألوان هي الأخضر والأحمر والأزرق وبقية الألوان تتكون من مزج هذه الثلاثة [24]

وإذا كان اللون هو ذلك التأثير الفسيولوجي الناتج على شبكية العين .... سواء كان ناتجاً عن المادة الصباغية الملونة أو عن شعاع الضوء الملون، وكما نعلم أن طاقة الضوء تعتمد على تردد الضوء الذي يتكون بدوره من فوتونات, والفوتونات توجد في مستويات طاقة , والفوتونات موزعة على مستويات الطاقة توزيع إحصائي معين أخبرنا به العالمان بوز واينشتين، وإذا كنا ندرك كميات الطاقة المشعة المختلفة كلمعانات ضوئية مختلفة. وأن الاختلافات في نوع الطاقة المشعة تتمثل في اللوينات وكل لوين في الطيف له طول موجى معين، يمكن قياسه بجهاز تحليل الطيف . [25]

وبالمثل فإن ألوان الطيف المرئي نفسها هي تداخلات بناءة للموجات الكهرومغناطيسية بين موجات اللون الأحمر والموجات التحت حمراء لتعطي ألواناً مختلفة وبذلك تزداد الطاقة  photon energy المنبعثة من الطيف الأحمر، شكل (1 ) كما أنه يحدث تداخل غير بناء لتلك الموجات أيضاً ليعطي المناطق بين الألوان وهي درجات للون الواحد من حيث الشدة، وإن دل ذلك فهو يدل على أن مستوى طاقة الضوء الأحمر هي الوحدة أو البنية الأساسية لكل ألوان الطيف واحدة تلو الأخرى.
بسام الزمر
المساهمات : 4
نقاط : 4
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 12/12/2017

رد: الألوان في القرآن رؤية فنية ومدلول

في الإثنين مارس 12, 2018 11:59 pm
نفع الله بك وكتب اجرك ياابا احمد
الرجوع الى أعلى الصفحة
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى